في الجزء الأول من
قراءتنا المتواضعة لكتاب "شروط النهضة" للمفكر الجزائري مالك بن نبي رحمه الله،رأينا
كيف اعتبر المؤلف الحضارة ناتجا عن تفاعل ثلاث عناصر هي،الإنسان و التراب و
والوقت،فما الذي يمكن عمله لإعداد إنسان العالم الإسلامي و العربي لاسترجاع
حضارته؟
يقول مالك بن نبي:حاصل
البحث أن قضية الفرد(الإنسان) منوطة بتوجيهه في نواح ثلاث:
أولا: توجيه الثقافة
ثانيا: توجيه العمل
ثالثا: توجيه رأس المال
ويعرٌِف مالك بن نبي فكرة
التوجيه على أنها بصفة عامة،قوة في الأساس،وتوافق في السير،و وحدة في الهدف.فالتوجيه
هو تجنب الإسراف في الجهد و في الوقت.و في العالم الإسلامي يوجد ما لا يحصى من
العباقرة و المفكرين،يشكلون طاقة صالحة للاستعمال في عملية النهضة إن تم توجيهها و
إعدادها بشكل مناسب،ويجب أن نقول أن توفير الظروف المناسبة والحرية المطلوبة
للإبداع و الإنتاج جزء من فكرة التوجيه إن لم يكن أهم جزء.
توجيه الثقافة
يعتبر بن نبي الثقافة
من أهم الأشياء الإنسانية التي يجب تعريفها أولا قبل توجيهها،"لأن جيلنا هذا جيل فاصل بين عهدين،عهد الكساد و الخمول،وعهد النشاط و المدنية،لذلك فالثقافة تتطلب
بإلحاح تعريفين: الأول يحددها في ضوء حالتنا الراهنة،والثاني يحددها حسب
مصيرنا" صفحة 85 بتصرف،فإنسان العالم الإسلامي وقتئذ كان قد بدأ في بناء
نهضته،في اللحظة الفارقة بين عهد الفوضى وعهد التنظيم والتوجيه،وتلك هي الحالة
الراهنة التي يقصدها المؤلف،أما مصيره الذي يتطلع إليه فهو المستقبل المشرق الذي
يأتي بعد ماضي الأمة المظلم،عند مالك بن نبي،التعريف الشامل للثقافة هو الذي يحدد
مفهومها،فهي المحيط الذي يعكس حضارة معينة،والذي يتحرك في نطاقه الإنسان
المتحضر،وبصورة عملية،هي مجموعة من الصفات الخلقية و القيم الاجتماعية التي يلقاها
الفرد منذ ولادته،كرأسمال أولي في الوسط الذي ولد فيه،فهي التي تشكل طباعه و
شخصيته.وللمزيد من التفصيل في هذا الموضوع،يمكن الرجوع لفصل "توجيه
الثقافة" من صفحة 85 من الكتابة نفسه.
توجيه العمل
أما عن "توجيه
العمل" فهو الحَلقة الثانية من مشكلة الإنسان،فما الذي يعنيه مالك بن نبي
بتوجيه العمل؟
يقول المؤلف:"إن توجيه العمل في مرحلة التكوين الإجتماعي،يعني
سير الجهود الجماعية في اتجاه واحد،بما في ذلك جهد السائل و الراعي و صاحب
الحرفة،والتاجر و العالم و المرأة و المثقف و الفلاح،لكي يضع كل منهم في كل يوم
لبنة جديدة في البناء...فتوجيه العمل هو تأليف كل الجهود لتغيير وضع الإنسان،وخلق
بيئته الجديدة" ويربط المؤلف في مواضع كثيرة من كتابه بين توجيه العمل و
توجيه الثقافة ليبين العلاقة بين عالم الأشياء و عالم الأفكار،فكل عمل الإنسان
يصدر أولا عن يده،ثم تشق الطريق لفكره في عالم الأشياء التي صنعتها،وقد انبثقت
المعجزة فعلا-كما عبر عنها الكاتب-حين تحركت اليد فأمسكت الآلة،أو قلبت
التراب،ليستنتج أن توجيه الثقافة مع توجيه العمل يعطيان بلا شك الفرصة لكل فئات
المجتمع العيش في ظل وارف من الكرامة و الرفاهية.
توجيه الرأس المال
الرأسمال،هي الحلقة
الأخيرة من مشكلات الإنسان،التي تحتاج بدورها إلى توجيه،فما هو تعريف الرأسمال عند
مالك بن نبي؟
الرأسمال في جوهره،هو المال المتحرك،الذي يتسع مجاله الإجتماعي بمقتضى
حركته و نموه في محيط أكبر من محيط الفرد،وأقصى من المقدار الذي تحدد حاجاته
الخاصة.وهو في العادة مجرد لا ينسب إلى صاحبه،فلا يقال (رأسمال فلان) وإنما فقط
(رأسمال).فحين ينتقل المال من بلد إلى بلد،عبر العلاقات الإقتصادية،يخرج عن نطاق
إستعمال الفرد الخاص و محيطه،ويصبح بذلك قوة ممولة تسمى "رأس
المال".ويرى المؤلف في عصره،أن توجيه رأس المال الذي مازال في طور التكوين في
بلادنا،لا يتعلق أولا بكمية هذا الرأسمال،بل بالكيفية التي يتنقل
بها،فيقول:"إن همنا الأول أن تصبح كل قطعة نقدية متحركة متنقلة تخلق معها
العمل و النشاط،أما الكم فإنه له الدور الثاني دور التوسع و الشمول" صفحة
120.ويضيف أن القضية ليست في تكديس الثروة،ولكن في تحرك المال و تنشيطه،بتوجيه
أموال الأمة البسيطة،وتحويلها من أموال كاسدة إلى رأس مال متحرك،ينشط الفكر و
العمل و الحياة في البلاد.ويدعو المؤلف إلى الاستفادة من تجربة أوروبا وألا نقع في
الخطأ الذي وقعت فيه،حين أصبحت حرية الإنتاج و التجارة سببا في الإضطرابات
الاجتماعية الناتجة عن إضطهاد طبقة لأخرى،فالقضية إذن هي قضية منهاج يحدد للبلدان
تخطيطا مناسبا يبني الحياة الإقتصادية،ولا يكون فيه مكان لتركز رؤوس الأموال في
أيدي فئة قليلة،تستغل السواد الأعظم من الشعب..
ويختم بن نبي بقوله:" بهذا التوجيه "توجيه رأس
المال" الذي يسير متضافرا مع توجيه الثقافة و توجيه العمل،يكون الفرد قد
استكمل الشروط الضرورية لتشييد حضارة تطابق إطاره الخاص.
في الجزء القادم،نكمل قراءتنا المتواضعة لكتاب "شروط النهضة" لمالك بن نبي،مع العنصرين الآخرين من معادلة الحضارة،التراب و الوقت...
بقلم : محمد شجاع


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق